محمد طاهر الكردي

48

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وكانت الأساطين ، المبنية سابقا ، على نسق واحد في جميع الأروقة ، فظهر لهم أن ذلك الوضع لا يقوى على تركيب القبب عليها ، لقلّة استحكامها ، إذ القبة يجب أن يكون لها دعائم أربعة قوية تحملها من جوانبها الأربع ، فرأوا أن يدخلوا بين أساطين الرخام الأبيض دعامات أخرى تبنى من الحجر الشميسي ، يكون سمكها مقدار سمك أربع أسطوانات من الرخام ، ليكون مقيما لها من كل جانب ، فتقوى على تركيب القبب من فوقها ، ويكون كل صنف من أساطين الأروقة الثلاثة في غاية الزينة والقوة . ففي أول ركن من الرواق الأول دعامة قوية مبنية من الحجر الشميسي ، ثم أسطوانة رخام كذلك ، ثم دعامة من الحجر الأصفر الشميسي ، وعلى هذا المنوال إلى آخر هذا الصف من أساطين الرواق ، ثم الصف الثاني من الرواق الثاني كذلك على هذا المنوال إلى آخر هذا الصف من أساطين الرواق ، ثم الصف الثالث من الرواق الثالث على هذا المنوال ، وبنيت القبب على تلك الدعائم والأساطين في دور المسجد جميعه ، وشرعوا من ركن المسجد الشريف ، من جهة باب السلام ، كما تقدم ، وقاسوا تلك الصفوف بخط مستوي ، وأزالوا ما كان قبل ذلك من الازورار والاعوجاج ، والحجر الشميسي نسبة إلى شميس تصغير شمس جبل بقرب بئر شميسي ، وهي حد الحرم من جانب جدة به جبيلات صفر ، تكسّر منها هذه الأحجار ، وتحمل إلى مكة مسافة ما دون ليلة . فكان في إدخال هذه الدعامات الصفر ، ما بين الأساطين البيض ، حكمة أخرى غير الاستحكام والزينة ، وهي أن أساطين الرخام ، الباقية من المسجد ، كانت لا تفي بجوانبه الأربع ، لأن الجانب الغربي احترقت أساطينه الرخام وسقفه ، أيام الجراكسة ، في دولة الناصر فرج بن برقوق في سنة اثنتين وثمانمائة ، وأرسل من أمرائه الأمير سيف الظاهري إلى مكة المشرفة فعمر الجانب الذي احترق من المسجد الحرام بالحجر الصوان المنحوت ، كما قدمنا ذكر ذلك في محله ، وصارت الجوانب الثلاثة من المسجد الحرام بالحجر وهي " الجانب الشرقي والجانب اليماني والجانب الشامي " على نسبة واحدة أساطينها من الرخام الأبيض . وأما أساطين الجانب الغربي جميعها فمن قطع الحجارة المنحوتة من الحجر الصوان ، غير مناسبة للجوانب الأخرى الآن ، فبإدخال هذه الدعامات الصفر